فصل: باب متى يصير الحربي ذميّاً

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب متى يصير الحربي ذميّاً

قال محمد - رحمة الله عليه - إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان فاشترى أرض خرج فوضع عليه الخراج فيها كان ذميّاً اعلم بأن الحربي المستأمن إذا اشترى في دار الإسلام أرض عشر أو خراج فإنه لا يصير ذميّاً حتى يزرعها فيؤخذ منه عشر أو خراج وقال بعض الناس بنفس الشراء يصير ذميّاً وذهبوا في ذلك إلى أن شراء الأرض للقرار فصار بالشراء راضياً بالمقام في دارنا فصار ذميّاً إلا أنا نقول‏:‏ لا يصير ذميّاً لأن الشراء قد يكون للتجارة وقد يكون للزراعة فلا يصير راضياً بالمقام في دارنا ما لم يزرع فيؤخذ منه الخراج ألا ترى أنه لو تزوج ذمية في دارنا لا يصير ذمياً والتزوج للقرار فلأن يكون ذميّاً بشراء الأرض كان أولى فإذا أخذ منه خراج أرض صار ذميّاً يوضع عليه خراج رأسه ولم يترك أن يخرج إلى داره لأن خراج الأرض لا يجب إلا على من هو أهل دار الإسلام لأنه حكم من أحكام المسلمين وحكم المسلمين لا يجري إلى على من هو من أهل دار الإسلام وإذا صار من أهل دار الإسلام كان ذميّاً ولأن الخراج في الأعم الأغلب إنما يوضع على أهل الذمة وإن كان قد استأنف على المسلمين في بعض الأحوال ألا ترى أن المسلم متى اتخذ داره مزرعة وجب عليه فيها العشر والذمي لو اتخذ داره بستاناً يجب عليه الخراج فلما وضع على هذا المستأمن خراج أرضه فقد وضع عليه ما يوضع على أهل الذمة في الأعم الأغلب فصار بذلك ذميّاً ثم قوله في الكتاب إذا وضع عليه الخراج كان ذميّاً قال بعضهم‏:‏ إذا نبه على ذلك وبني له أنا نأخذ منك خرج أرضك إن لم تبعها ولم ترجع إلى بلادك لأنه لا يجعل ذميّاً إلا برضاء منه فإذا لم يزل الأرض عن ملكه بعدما بين له صار ذلك دليل الرضاء منه بكونه ذميّاً ومنهم من قال‏:‏ معنى إذا وضع عليه الخراج كان ذميّاً إذا وجب عليه الخراج حينئذ يصير ذميّاً لأن كونه ذميّاً إنما يتفرع عن خراج أرضه فما لم يجب الحق في أرض لم يتفرع عن صيرورته ذمياً ولو أن حربيّاً دخل دار الإسلام بأمان فاشترى أرضاً من أرض الخراج فباعها قبل أن يجب خراجها لم يكن بشراء الأرض ذميّاً لأنه إنما يصير ذميّاً من أهل دارنا بوجوب الخراج عليه والخراج لم يجب بعد فلا يصير بنفس الشراء ذمياً ولو أن حربيّاً دخل دار الإسلام بأمان فاستأجر أرضاً من أرض الخراج فزرعها فخراج الأرض على صاحبها وليس على الزارع من الخراج شيء لأن الخراج يجب بإزاء المنفعة والمنفعة في الحقيقة حصلت لرب الأرض لأن البدل حصل له فكان الخراج عليه فإن زرعها الحربي وأدى أجرها إلى الذي استأجرها منه وأخذ الخراج من صاحبها لم يكن الحربي ذميّاً بالزراعة لأنه لم يؤخذ منه الخراج ولكن الإمام لا يدعه في دار الإسلام حتى يزرع لأن الاشتغال بالزراعة مكث ومقام في دارنا والحربي يمتنع أن يطيل السفر في دار الإسلام ولكنه إذا قضى حاجته في دار الإسلام تأمره بالرجعة إلى بلاده فإن أطال المكث بها والإمام لا يعلم ثم علم فإنه ينبغي للإمام أن يتقدم إليه ويخبره أنه إن أقام سنة من يوم يقدم إليه أخذ من الخراج فإن رجع قبل تمام السنة فلا شيء عليه وإن أقام حتى تمت السنة أخذ الإمام منه خراج رأسه وجعله ذميّاً ولا يدعه حتى يرجع إلى بلاده وقد تم الكلام فيه من قبل ولو أن حربيّاً مستأمناً في دار الإسلام استأجر من رجل أرضاً خراجها مقاسمة نصف ما يخرج فزرعها الحربي ببذره فإن على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - خراج الأرض يجب على رب الأرض وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهما - يجب على المزارع في الخارج لأن خراج المقاسمة بمنزلة العشر ومن استأجر أرضاً من أرض عشر وزرعها فإن العشر على رب الأرض في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهما - يجب على الزراع في الخارج فإن أخذ الإمام خراجها مما أخرجت وحكم بذلك عليه فكان ذلك من رأيه فإنه يصير ذميّاً بالاتفاق أما على قول أبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهما - فلا إشكال فإن الخراج عندهما يجب على المستأجر والحربي هو المستأجر فقد جرى عليه حكم من أحكام المسلمين حين أخذ الإمام منه الخراج فصار من أهل دارنا فيصير ذميّاً وأما عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فلأن الخارج وإن كان يجب على رب الأرض ولكن لما حكم به الإمام على المستأجر وأخذ من الخارج فقد قضى في موضع مجتهد فيه فينفذ قضاؤه وصار الحق عليه فصار ذميّاً بالاتفاق ولو اشترى الحربي المستأمن أرضاً من أرض الخراج وخراجها مقاسمة النصف مما يخرج أو الثلث فآجرها من رجل من المسلمين أو من أهل الذمة ليزرعها ببذرة فأخرجت طعاماً فأخذ الإمام من المستأجر نصف ما أخرجت ورأى الإمام أن ذلك على المزراع فيما أخرجت الأرض فإن الحربي لا يصير ذميّاً لأن الخراج لم يجب عليه في أرضه إنما أخذه من غيره وإنما ينظر في هذا إلى من يجب عليه الحق لا إلى ملك الأرض لأن الذي وجب عليه الحق وأخذ منه هو الذي جرى عليه الحكم فيصير بالحكم ذمياً سواء كان هو المالك للأرض أو غيره ولو كان الذي استأجرها منه حربيّاً مستأمناً صار المستأجر ذميّاً لأنه جرى عليه الحكم في زرعه ولو لم يؤاجرها الحربي ولكنه أعارها عارية فإن كان الخراج خراج مقاسمة كان الخراج في الزرع في قولهم جميعاً ولو غصبها إياه غاصب فزرعها وخراجها المقاسمة فأخرجت زرعاً كثيراً فإن كانت الأرض لم تنقص شيئاً فالخراج يؤخذ من الخارج في قولهم جميعاً لأن خراج المقاسمة بمنزلة العشر والعشر على الغاصب لأن المنعة حصلت له فكذلك الخراج ولا يصير صاحبها المستأمن ذميّاً لأن الحق لم يجب عليه في أرضه إنما وجب عليه غيره وإن كانت الزراعة نقصت الأرض فإن على قول محمد - رحمة الله عليه - الخراج يؤخذ من الخارج والنقصان لرب الأرض والأجرة فكذلك إذا كان غصبها كان الخراج في الخارج والنقصان لرب الأرض وعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى - نقصان الأرض بمنزلة الأجرة فكذلك إذا كان غصبها كان الخراج في الخارج والنقصان لرب الأرض وعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى - نقصان الأرض بمنزلة الأجرة للأرض على ما يذكر فيما إذا كان الخراج خراج وظيفة فيكون الخراج على رب الأرض فيصير صاحبها المستأمن ذميّاً عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وعند محمد - رحمة الله عليه - لا يصير ذميّاً وإن كان خراجها دراهم فاغتصبها مغتصب فزرعها فلم ينقصها الزرع شيئاً فخراجها على الغاصب لأن الحربي لم يستفد منفعة من الزراعة ولم يرض أيضاً بتعطيل منافع الأرض فإن الأرض أخذت منه غصباً فلا يجب عليه الخراج كما لا يجب إذا غرقت الأرض بالماء وعجز عن زراعتها ثم إذا أخذ الغاصب بخراجها لم يصر صاحبها المستأمن ذميّاً وإن أخذ خراج أرضه لأنه لم يؤخذ منه إنما أخذ من غيره ولم يجر عليه حكم المسلمين فلا يصير به ذميّاً فإن كان الزارع نقصها شيئاً ينظر فإن كان النقصان مثل الخراج أو أكثر فإن المستأمن يأخذ ذلك النقصان ويؤدي منه الخراج ويكون الفضل له إن كان لأنه وصل إليه النفع من جهة الزراعة فصار كما لو زرعها بنفسه أو آجرها من غيره ويصير صاحبها المستأمن ذميّاً لأن خراج أرضه أخذ منه وإن كان النقصان أقل من الخراج كان قدر النقصان من الخراج على المستأمن وفضل الخراج على الغاصب لأن الخراج إنما يجب على المغتصب منه حكماً لما يرجع إليه من النفع بدليل أنه لو لم يرجع إليه شيء لم يؤخذ منه شيء من الخراج وحين رجع إليه مثل الخراج أو أكثر أخذ منه الخراج كله فإذا رجع إليه من النفع مثل بعض الخارج أخذ منه بقدره وكان الفضل على الغاصب وذكر أبو يوسف - رحمة الله عليه - في المزارعة الكبيرة على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - يؤخذ الخراج كله من المغتصب منه قل النقصان أو كثر وذكر في المزارعة الصغيرة الجواب أن على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - الخراج كله على رب الأرض لأنه أخذ من منافع أرضه بدلاً فصار كأنه آجر أرضه بما أخذ ولو آجر أرضه كان الخراج عليه وفي الأجر بالخراج لو لم يف فكذلك ما هاهنا ثم إذا أخذ جميع الخراج من الحربي المغصوب منه أو بعضه يصير ذميّاً لأنه جرى عليه حكم المسلمين بأخذ بعضه كما يجري عليه بأخذ كله ولو زرعها الحربي المستأمن أو الغاصب أو المستأجر أو المستعير فأصاب زرعها آفة فاصطلمته من غرق أو غيره لم يكن في الأرض خراج تلك السنة ولم يصر المستأمن صاحب الأرض ذميّاً لأنه لم يؤخذ منه الخراج فلم يصر من أهل دارنا فلا يصير ذميّاً وإذا اشترى المستأمن أرضاً من أرض الخراج فزرعها أو مكث في يده سنة أو أقل فوجب فيها الخراج فقد صار المستأمن ذميّاً حين وجب في أرضه الخراج وهو لزمه وأخذ لأنه إنما يصير من أهل دارنا بحكم الإمام عليه والحكم بالأخذ فيما لم يؤخذ منه لا يصير ذميّاً ثم إذا أخذ منه الخراج يؤخذ منه خراج رأسه بعد سنة مستقبلة من يوم أخذ منه الخراج ولا يحتسب عليه في خرج رأسه لما مضى من الشهور والأرض في يده وهذا بخلاف التقديم إليه لو أطال المكث بأرض الإسلام فقال له الإمام‏:‏ ارجع إلى بلادك فإنك إن أقمت سنة بعد يومك هذا أخذت منك الخراج فأقام سنة صار ذميّاً وأخذ منه الخراج في تمام تلك السنة ووجه الفرق في ذلك وهو أن في فصل التقدم إنما يأخذ الإمام منه خراج رأسه من جهة الشرط فإذا شرط أن يأخذ منه الخراج إن لم يرجع إلى سنة أخذ منه كما شرط ويصير ما شرط عليه كما صالحه الإمام عليه على مقامه في دارنا في تلك السنة وللإمام ذلك فإن له في الابتداء ألا يؤمنه وألا يدعه يخرج إلى الإسلام إلا بمال يأخذه منه فلهذا يأخذ منه الخراج عند تمام السنة وأما صيرورته ذميّاً من جهة خراج أرضه لا من جهة الشرط ولكن يثبت حكماً ولو لم يجب في أرضه لا يصير ذميّاً فإنما يأخذ منه خراج رأسه إذا مضت سنة من يوم يصير ذميّاً يأخذ منه الخراج فما لم يمض سنة كاملة على ذمته بعد ذلك لا يؤخذ منه الخراج ولو قال له الإمام‏:‏ إن أقمت سنة بعد يومك هذا أخذت منك مائة درهم ثم جعلتك بعد ذلك ذميّاً آخذ منك في رأس كل سنة اثني عشر درهماً فأن أقام سنة بعد التقدم إليه أخذ منه مائة درهم لما قلنا‏:‏ إن ما يأخذ منه الإمام في التقدم إليه إنما يأخذ من جهة الشرط والصلح هكذا جرى فيما بينهما وهو راض به حين أقام سنة بعد الصلح فيؤخذ منه بحكم الصلح ويصير ما يؤخذ منه عند تمام الصلح أجرة لسكناه في دارنا في تلك السنة ونظير ذلك رجل أجر داراً له شهراً فقال له قبل مضي الشهر‏:‏ لا تقم في داري من الشهر الداخل شيئاً وأشهد على ذلك أنه إن أقام الشهر الداخل فأجر الدار عليه عشرون درهماً لما أن الأجرة تجب بالشروط والمشروط للشهر الداخل عشرون درهماً وقد رضي بهذا المشروط حيث أقام فيها في الشهر الداخل فكان الحكم كما شرط فكذلك خراج الرأس في التقديم إليه يجب بالشرط وقد رضي بالمشروط حيث أقام سنة فكان الحكم كما شرط وقد انتزع أصحابنا من هذه المسألة مسألة أخرى قالوا جميعاً‏:‏ لو أن رجلاً غصب داراً من رجل فأراد المغصوب منه تخويف الغاصب حتى يرد إليه الدار فإنه يأتي برجلين عدلين إلى الغاصب فيشهدهما على الغاصب فيقول له‏:‏ إن رددت الدار إلي وإلا أخذت منك كل شهر ألف درهم مثلاً فإن الإشهاد صحيح وإن أقام الغاصب بعد هذا التقدم إليه المغصوب منه يستوجب هذا الأجر المسمى على الغاصب ولو كان الإمام حين تقدم إليه قال له‏:‏ إن أقمت سنة بعد يومك هذا كنت ذميّاً وآخذ منك الخراج بعد سنة أخرى مستقبلة فأقام تلك السنة كان الأمر على ما تقدم إليه ولم يجب عليه خراج حتى تمضي سنة بعد هذه السنة الأولى لأن الشرط هكذا جرى من الإمام فيكون الحكم لما شرط والمتقدم المعروف هذا ولو أن حربيّاً مستأمناً اشترى فينا أرضاً خراجية فجاء مستحق واستحقها لنفسه وأدى خراجها سنة أو سنتين ثم وجد القاضي الشهود عبيداً ورد الأرض على المستأمن لم يكن هو ذميّاً لأنه إنما يصير المستأمن ذميّاً إذا وجب عليه الخراج لا بمجرد شراء الأرض الخراجية وهاهنا قد كان هو ممنوعاً من الانتفاع بهذه الأرض فلم يلزمه الخراج لأن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع وكذلك لو غصبها منه سلطان لا يقاومه المستأمن ولو غصبها من يتمكن المستأمن من إثبات حقه عليه بالحجة فلم يفعل فإن كان الغاصب زرعها فالمستأمن لا يكون ذميّاً أيضاً لأن الخراج على الغاصب إذا زرعها باعتبار انتفاعه بالأرض فلا يكون على المستأمن شيء من خراجها وإن كان الغاصب لم يزرعها فقد صار المستأمن ذميّاً لأنه قد لزمه خراجها فإنه قد كان متمكناً من استردادها والانتفاع بها وإذا لزمه خراجها كان ذمياً وهو بمنزلة ما لو غرقها ماء وقد كان المستأمن متمكناً من أن يحتال بذلك بمسناة فلم يفعل حتى مضت السنة فعليه خراجها وكان ذميّاً للمعنى الذي قلنا وهذا إذا لم يتمكن في الأرض نقصان بزراعة الغاصب فإن كانت الزراعة نقصتها كان المستأمن ذميّاً لأنه قد لزمه النقصان للمستأمن وحكم الخارج أنه إن كان النقصان أكثر فالخراج على المستأمن وإن كان النقصان أقل فعلى الغاصب الخراج دون النقصان على أن يكون مقدار النقصان من ذلك الخراج على رب الأرض والفضل على الغاصب ففي الوجهين قد لزم المستأمن بعض الخراج وبه يصير المستأمن ذميّاً ولو أن رجلاً سقى في هذه الأرضين ماءً فغرقها حتى لم يستطع الحربي زراعتها ونقص الماء الأرض كان للحربي أن يضمن الذي سقى الماء النقصان المتمكن بفعله ولا يكون الحربي ذميّاً هاهنا لأنه لا خراج في هذه الأراضي لأحد هاهنا فما كان أحد يتمكن من الزراعة فيها وعلى هذا لو لم يزرع الغاصب الأرض أيضاً حتى ردها بعد مضي السنة لم يكن الحربي ذميّاً لأنه لم يلزمه خراجها ولو كان الغاصب حربيّاً مثل صاحب الأرض فزرعها ونقصتها الزراعة فالغاصب ضامن لنقصان الأرض ثم إن كان الخراج مثل النقصان أو أقل فصاحب الأرض يصير ذميّاً دون الزارع لأن الخراج على صاحب الأرض هاهنا وإن كان النقصان أقل من الخراج فقد صارا ذميين لأن بقدر النقصان من الخراج على رب الأرض والفضل على الزارع فقد وجب على كل واحد منهما بعض الخراج ولو كانت الأرض لم تنقصها الزراعة فالغاصب يصير ذميّاً دون صاحب الأرض لأن الخراج هاهنا على الغاصب كله ولو عطلها الغاصب فلم يزرعها فإن كان صاحب الأرض يتمكن من استردادها بالحجة فلم يفعل كان الخراج عليه وصار ذميّاً وإن كان لا يتمكن من ذلك فلا خراج على واحد منهما وهما حربيان في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - على حالهما ولو كان المستأمن اشترى أرضاً عشرية فقد صارت خراجية في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وفي قول أبي يوسف - رحمة الله عليه - يؤخذ منه العشر مضاعفاً وفي قول محمد - رحمة الله عليه - هي عشرية على حالها فإذا زرعها أو تمكن من زراعتها كان ذميّاً في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - لأنه لزمه الخراج في الوجهين وفي قول محمد - رحمة الله عليه - إن زرعها كان ذميّاً لأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج ولكن لا يجب إلا بحصول الخارج حقيقة وما لم يلزمه ما يجب في الأراضي في دار الإسلام لا يصير ذميّاً وإن باعها الحربي قبل أن يجب فيها الخراج كانت أرض خراج لا تتحول عن ذلك هكذا ذكرها هنا وقال في رواية أخرى كان على المشتري العشر دون الخراج فالوجه لهذه الرواية وهو أن ملك الكافر هو الذي يجعل الأرض خراجية وحين اشتراها فقد ملكها فصارت خراجية بملكه إياها فقد باعها وهي خراجية والمسلم متى اشترى من كافر أرضاً خراجية بقيت خراجية ووجه الرواية الأخرى وهو أنه لما باعها قبل وجوب الخراج فيها لم يؤخذ من الأرض حق غير العشر فدامت عشرية كما كانت ولا يعتبر ما اعترض فيها من ملك الكافر والحربي لا يكون ذميّاً لأن الأرض وإن صارت خراجية فلم يؤخذ من صاحبها الخراج فلم يجر عليه حكم المسلمين فلا يصير ذميّاً فكان بمنزلة حربي في دار الحرب وكّل مسلماً أن يشتري له أرضاً في أرض العشر في دار الإسلام فاشتراها صارت خراجية في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ولم يصر صاحبها في دار الحرب ذميّاً وإن صارت الأرض خراجية لما أنه لم يجر على صاحبها حكم من أحكام المسلمين كذلك هاهنا ولو أن هذا المستأمن اشترى أرضاً عشرية آجرها فعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - صارت الأرض خراجية والخراج يجب على صاحب الأرض فيصير به ذميّاً وفي قول محمد - رحمة الله عليه - العشر في الخارج على المستأجر فلا يصير صاحب الأرض ذميّاً وإن كان المستأجر حربيّاً فالمستأجر عنده يصير ذميّاً لأنه قد لزمه عشرها ثم فرق محمد - رحمة الله عليه - بين العشر الذي يجب على المستأمن في الخارج من أرضه وبين العشر الذي يأخذه العاشر من الحربي المستأمن فقال‏:‏ باعتبار ذلك العشر لا يصير ذميّاً وإذا أخذ العشر من أرضه يصير ذميّاً ووجه الفرق بينهما وهو أن الحربي إذا مر على العاشر فإن العاشر يأخذ منه عشر ما مر به ويأخذ من الذمي نصف العشر ومن المسلم ربع العشر فإذا لم يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من المسلم لم يصر هو من أهل دار الإسلام ألا ترى أنه يؤخذ منه مراراً في يوم واحد متى عاد في كل مرة إلى داره ثم رجع إلى دار الإسلام فإذا لم يصر بمنزلة من هو أهل دار الإسلام لم يصر ذميّاً وأما هاهنا يؤخذ من طعامه من العشر مثل ما يؤخذ من طعام المسلم ولا يؤخذ منه إلا مرة واحدة كما لا يؤخذ من المسلم إلا مرة واحدة فينزل بأخذ هذا العشر منزلة الذي هو من أهل دارنا فيصير ذميّاً يوضحه أن ذلك العشر مأخوذ من الحربي بطريق المجازاة ولهذا لو لم يأخذوا من تجارنا شيئاً لا نأخذ من تجارهم شيئاً وهذا العشر مأخوذ بطريق مؤنة الأرض النامية في دار الإسلام فكان كالخراج ولو أعارها حربيّاً مثله كان العشر في الزرع وصار الحربي المستعير به ذميّاً في قولهم لأن الحق أخذ من طعامه ولو أن حربيّاً مستأمناً استأجر أرضاً عشرية من مسلم فزرعها فإن على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - عشر ما أخرجت الأرض على المسلم ولا يصير المستأجر ذميّاً لأن العشر لم يجب في طعامه وفي قول محمد - رحمة الله عليه - العشر يجب في الخارج فيصير المستأجر ذميّاً لأن الحق وجب في طعامه وفي العارية العشر في الطعام في قولهم جميعاً فيصير المستعير ذميّاً وهكذا الحكم في خراج المقاسمة في جميع ما ذكرنا لأنه جزء من الخارج كالعشر‏.‏

والله تعالى أعلم‏.‏

  باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسبي

قد ثبت فيما تقدم أن الكافر متى أظهر بخلاف ما كان يعتقده فإنه يحكم بإسلامه والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ‏"‏ وقد كان يقاتل عبدة الأوثان وهم كانوا لا يقولون ذلك كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ فجعل ذلك علامة إيمانهم ثم حين دعا اليهود بالمدينة إلى الإسلام جعل علامة إيمانهم الإقرار برسالته حتى قال لليهودي الذي دخل عليه يعوده‏:‏ اشهد أني رسول الله فلما شهد ومات قال‏:‏ الحمد لله الذي أعتق بي نسمة من النار لأنهم كانوا لا يقرون برسالته فجعل ذلك علامة إيمانهم وإذا عرفنا هذا فنقول‏:‏ إذا حمل مسلم على مشرك ليقتله فلما أرهقه قال‏:‏ اشهد أن لا اله إلا الله فان كان الكافر من قوم لا يقولون هذا فعلا المسلم أن يكف عنه فإن أخذه وجاء به إلى الإمام فهو حر مسلم إن كان تكلم بكلمة التوحيد قبل ان يقهره المسلم وإن قال بعدما قهره فهو فيء لأن الإسلام يعصمه من القتل لا من الاسترقاق بعد القهر فإن قال‏:‏ ما أدرت الإسلام بما قلت إنما أردت الدخول في اليهودية أو أردت التعوذ لئلا يقتلني لم يلتفت إلى قوله لأن الظاهر أنه إنما قصد إجابته إلى ما طلب منه والمسلم إنما طلب منه الإسلام لا الدخول في اليهودية وقوله‏:‏ لا إله إلا الله دليل على إسلامه وإن لم يكن هو يقر بالإسلام كله فيلزمه حكم الإسلام بمنزلة ما لو صلى في الجماعة مع المسلمين فإن ذلك يكون دليلاً على إسلامه وإن لم يكن إسلاماً بعينه فإذا امتنع من الإسلام بعد ذلك كان مرتداً فيقتل قال في الكتاب‏:‏ ومن أنكر شيئاً من شرائع الإسلام فقد أبطل لا إله إلا الله معناه أنه يصير مرتداً فيقتل إن لم يسلم وبهذا اللفظ تبين خطأ من يقول من المتأخرين من أصحابنا‏:‏ إن من أنكر شيئاً من الشرائع فهو كافر فيما أنكره مسلم فيما سوى ذلك وعليه ابتنى في تصنيف له حال مانعي الزكاة في عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وهو مخالف للرواية نزع إلى قول أهل الضلالة فإنهم يقولون‏:‏ إن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان غير داخل في الكفر فله منزلة بين المنزلتين فهذا قريب من ذلك ولو كان حين قال‏:‏ لا إله إلا الله كف عنه فأفلت ولحق بالمشركين ثم عاد يقاتل فحمل عليه الرجل فلما رهقه قال‏:‏ لا إله إلا الله فإن كانت له فئة يلجأ إليها فلا بأس بأن يقتله لأنه الآن بمنزلة المسلم الباغي المقاتل مع المسلمين في فئة ومثله يقتل وإن كان مسلماً وإن لم تكن له فئة بأن كان تفرق جمعهم فلا ينبغي له أن يقتله وكذلك إن كان أسره فإن كانت الفئة على حالها فلا بأس بقتله وإن تفرقت الفئة فليس له أن يقتله ولكن يؤدبه لما صنع واستدل بما روي أن رجلاً من المسلمين حمل على رجل من المشركين فقال‏:‏ لا إله إلا الله فخلى سبيله ثم عاد فقاتل المسلمين فلما كر عليه قال‏:‏ لا إله إلا الله حتى فعل ذلك مراراً فقتله في آخره مرة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ فكيف لك بلا إله إلا الله ‏"‏ ولم يذكر اسم هذا الرجل وفي المغازي ذكر أنه أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏"‏ اقتلت رجلاً قال‏:‏ لا إله إلا الله فقال‏:‏ إنما قال تعوذاً قال‏:‏ فهلا شققت عن قلبه فقال‏:‏ لو شققت عن قلبه ما رأيت أبين لي يا رسول الله قال‏:‏ فإنما كان يعبر عما في قلبه لسانه وإنما نضع هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنه ما كان يلجأ إلى فئة في آخر مرة فلهذا عاتبه على قتله ولو كان حين خلى سبيله فعاد إلى صف المشركين فقال‏:‏ إني بريء عن دينكم وأنا على ديني الأول ثم حمل عليه المسلم مرة أخرى فقال‏:‏ لا إله إلا الله فهذا والأول سواء لأنه بمنزلة المرتد لما سبق منه والمرتد كالحربي فإذا قال‏:‏ لا إله إلا الله يجب الكف عنه إلا أنه إذا كانت له فئة فهو بمنزلة الباغي فلا بأس بقتله لهذا وكذلك إن كان قتل قوماً من المسلمين بعد الإسلام الأول قبل الإسلام الثاني لأنه حين ارتد وهو في صف المشركين كان حربيّاً والحربي لا يستوجب القصاص بقتله المسلم ولو كان الرجل ممن يقول‏:‏ لا إله إلا الله والمسألة بحالها فلا بأس بأن يقتله وإن تكلم بهذه الكلمة لأن هذا ليس بدليل الإسلام في حقه فإن قال‏:‏ أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وهو من قوم لا يقولون ذلك فهذا الآن دليل إسلامه فعليه أن يكف عنه وهو في الفريع نظير ما بينا في الفصل الأول وكذلك إن قال حين رهقه‏:‏ محمد رسول الله أو قال‏:‏ قد دخلت في دين الإسلام حتى لو مات بعدما قال هذه المقالة فإنه يصلى عليه ويستغفر له وهذا لأن ما ظهر منه فوق السيماء وقد بينا أن بمجرد سيماء المسلمين يحكم بإسلامه في حق الصلاة عليه فهذا أولى قال‏:‏ وأما اليهود والنصارى اليوم بين ظهراني المسلمين إذا قال واحد منهم‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فإنه لا يكون مسلماً بهذا لأنهم جميعاً يقولون هذا ليس من نصراني ولا يهودي عندنا نسأله إلا قال هذه الكلمة فإذا استفسرته قال‏:‏ رسول الله إليكم لا إلى بني إسرائيل ويستدلون بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ‏}‏ الجمعة‏:‏ 2 والمراد بالأميين غير أهل الكتاب فعرفنا أن هذا لا يكون دليل إسلامه حتى يضم إليه التبري فإن كان نصرانياً قال‏:‏ فأبرأ من النصرانية وإن كان يهودياً قال‏:‏ وأبرأ من اليهودية فحينئذ يكون مسلماً لإظهار ما هو مخالف لاعتقاده وإن قال النصراني‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأبرأ من النصرانية لم يكن مسلماً بهذا اللفظ لأن كلامه محتمل فلعله دخل في اليهودية بهذا فإن الذي ذكره قول اليهود بعينه فإنهم يقولون‏:‏ لا إله إلا الله ويبرءون من النصرانية كما أخر الله - تعالى - عنهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ‏}‏ فإن قال‏:‏ مع هذا وأدخل في الإسلام فقد انقطع منه الاحتمال وكان ذلك منه دليل الإسلام ولو قال أنا مسلم لم يكن مسلماً بهذا اللفظ لأن كل فريق يدعي ذلك لنفسه فالمسلم هو المستسلم للحق وكل ذي دين يدعي أنه منقاد للحق وأن الحق ما هو عليه قال - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة عبد العزيز الحلواني - رحمه الله تعالى - يقول‏:‏ إلا المجوس في ديارنا فإن من يقول منهم‏:‏ أنا مسلم يصير مسلماً لأنهم يأبون هذه الصفة لأنفسهم ويسبون أولادهم ويقولون‏:‏ يا مسلمان قال‏:‏ ولو كان هذا من عبدة الأوثان ممن يقول‏:‏ لا إله إلا الله فلما رهقه قال‏:‏ أشهد أن محمداً رسول الله فهو مسلم بمنزلة ما لو قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله لأنه منكر للأمرين فبأيهما شهد كان دليل إسلامه وكذلك لو قال‏:‏ إنه مسلم فإن عبدة الأوثان لا يدعون هذا الوصف لأنفسهم بل يتبرءون منه على قصد المعايرة للمسلمين وقد علم ذلك من حال أهل مكة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلهذا كان دليل الإسلام منه وكذلك لو قال‏:‏ أنا على دين محمد أو على الحنيفية أو على الإسلام فإن هذا كله لا بد